الشيخ الصفار: الانشغال بعيوب الآخرين يزرع الغرور والخلاف

انتقد الشيخ حسن الصفار الذين يفعّلون حسّهم النقدي تجاه أخطاء الآخرين فقط، بينما يعطلونه عندما يتعلق الأمر بأخطائهم الشخصية، فيتحول اهتمامهم إلى مراقبة الناس وتتبع عثراتهم، في الوقت الذي يواصلون فيه أخطاءهم دون مراجعة أو محاسبة.
وأضاف إن تجاهل الإنسان لأخطائه مع تضخيم أخطاء الآخرين يقوده إلى الغرور ووهم الكمال، ويؤدي إلى صناعة العداوات ونشر الأجواء السلبية في المجتمع، فضلًا عن حرمانه من فرص الإصلاح الحقيقي لنفسه.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: «نقد الذات ونقد الآخر»، وتابعتها “النعيم نيوز”.
وأوضح أن الله تعالى منح الإنسان منظومة متكاملة من أدوات الإدراك والتمييز، فلم يقتصر الأمر على الحواس الظاهرة التي يدرك بها العالم المحسوس، بل أودع في أعماقه فطرةً حية، ووجدانًا يقظًا، وعقلًا قادرًا على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والصواب والخطأ.
وتابع إن هذه البصيرة الداخلية تمثل ركيزة أساسية في بناء شخصية الإنسان وتقويم سلوكه.
وبيّن أن القرآن الكريم أشار إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، حيث ألهم الله الإنسان القدرة على إدراك مسارات الخير والشر، ومنحه قابلية فطرية للتمييز بينهما، مؤكدًا أن هذه الهداية الداخلية تحتاج إلى رعاية وتنمية حتى تبقى حية وفاعلة في حياة الإنسان.
واستشهد بما ورد عن النبي محمد (ص) لوابصة بن معبد حين قال له: «استفت قلبك، واستفت نفسك».
وأعتبر أن الإنسان يحمل في داخله ميزانًا وجدانيًا يستطيع من خلاله أن يشعر بطمأنينة الحق واضطراب الباطل، حتى وإن حاول البعض تبرير الخطأ أو تغليفه بالمسوغات.
وأشار إلى أن الإنسان كما يحرص على سلامة حواسه الظاهرة ليستفيد منها في حياته اليومية، فإنه مطالب أيضًا بالعناية بفطرته وعقله وضميره، لأن إهمال هذه الجوانب يؤدي إلى ضعف الحس الأخلاقي وتراجع القدرة على التمييز السليم.
وتابع إن تنشيط دور الضمير الإنساني يجعل صاحبه أكثر قدرة على مراجعة ذاته وتصحيح أخطائه قبل أن تتفاقم أو تتحول إلى سلوك دائم.
ولفت إلى أن من أهم ما يحتاجه الإنسان في حياته أن يجعل “جهاز الاستشعار والإنذار الداخلي” قويًا وفعّالًا تجاه الخطأ، بحيث يشعر بالخطر الأخلاقي فور وقوعه في الزلل، فيعود سريعًا إلى رشده ويتراجع عن انحرافه.
وأبان أن القرآن الكريم وصف المؤمنين بهذه الحالة الواعية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾.
وأضاف أن “ذكر الله” عند الوقوع في الخطأ لا يعني مجرد التلفظ بالأذكار، بل يتمثل في يقظة الضمير واستحضار رقابة الله، والإصغاء لصوت الفطرة والعقل، بينما يمثل الاستغفار حالة الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه وتصحيح المسار.
ورأى أن هذا السلوك يجسد مفهوم “نقد الذات”، وهو استعداد الإنسان لفحص سلوكه ومواقفه ومحاسبة نفسه باستمرار، إدراكًا منه أنه ليس معصومًا من الخطأ، وأن المراجعة الدائمة ضرورة لحماية النفس من الانحراف. واستشهد بما ورد عن الإمام علي : «من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسر».
وأشار إلى أن هذه الحالة تتجلى بوضوح في النزاعات والخلافات العائلية والاجتماعية، حيث يميل كل طرف إلى تبرئة نفسه بالكامل وتحميل الطرف الآخر مسؤولية الخلاف.
وتابع: إن هذا السلوك يعكس حالة من المكابرة وتزكية النفس التي نهى عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾.
ومضى يقول: إن لتزكية النفس معنيين مختلفين؛ الأول إيجابي يتمثل في تهذيب النفس وإصلاحها والارتقاء بها، وهو ما دعا إليه القرآن في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾.
وتابع: أما المعنى الثاني فهو ادعاء الكمال والتنصل من الأخطاء والتظاهر بالطهارة المطلقة، وهو المعنى المذموم الذي حذرت منه النصوص الدينية.
ودعا إلى اعتماد الإنصاف والعدل عند وقوع الخلافات، بأن يراجع كل إنسان نفسه بصدق، ويبحث عن مقدار مسؤوليته عن المشكلة، مؤكدًا أن هذا النهج يفتح الباب لمعالجة النزاعات وتقريب وجهات النظر، مستشهدًا بما ورد عن أمير المؤمنين علي (ع): «الإنصاف يرفع الخلاف ويوجب الائتلاف».
وأكد أن الاعتراف بالخطأ أمام الآخرين لا يمثل ضعفًا أو انتقاصًا من الكرامة، بل هو دليل شجاعة أخلاقية ونضج إنساني، وهو سبب للعز والاحترام، مستشهدًا بقول الإمام علي (ع): «ألا إنه من ينصف الناس من نفسه لم يزده الله إلا عزًا».
وحذّر من ظاهرة “الاحتراف في نقد الآخرين”، مبينًا أن بعض الناس ينشغلون باستمرار بالحديث عن أخطاء غيرهم، بينما يغفلون عن معالجة أخطائهم الشخصية، وكأنهم يمثلون الكمال المطلق.
واعتبر أن الانشغال بأخطاء الآخرين قد يكون محاولة للهروب من مواجهة الذات، لكنه يؤدي في النهاية إلى تراكم العيوب وترسيخ الخلل في الشخصية.
وأوضح أن حديثه ينصرف إلى النقد الشخصي القائم على تتبع العيوب والتجريح، أما نقد الأفكار والآراء وفق منهج علمي وموضوعي بعيدًا عن الشخصنة والإساءة، فهو أمر إيجابي ومطلوب، لأنه يسهم في تصحيح المسارات وتطوير الوعي وتعزيز الحوار الفكري البناء.



