
بقلم نهاد الزركاني
قراءة (فكرية_قانونية) في مأزق الاختيار العراقي
يشهد المشهد السياسي العراقي اليوم نقاشاً حاداً حول ترشيح نوري المالكي، سواء من قبل قوى الإطار التنسيقي أو بعض القوى التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة، في مقابل اعتراض قوى سياسية أخرى.
ومن حيث المبدأ، فإن هذا الجدل لا يُعدّ أزمة بحد ذاته، بل يمثل حالة طبيعية في أي نظام ديمقراطي (ناشئ) حيث تتعدد الرؤى وتتباين المواقف داخل الإطار الدستوري……
فالاعتراض السياسي الداخلي، وفق منطق الديمقراطية التمثيلية، يُعدّ حقاً مشروعاً، بل أداة تصحيح، شريطة ألا يتحول إلى وسيلة لتعطيل الإرادة الانتخابية.
غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يُنقل الخلاف من فضائه الدستوري إلى فضاء خارجي، ويُستبدل النقاش السياسي ((بفيتو صادر عن قوة دولية)) وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية…..
من الناحية القانونية، يستند النظام السياسي العراقي إلى دستور يقرّ مبدأ السيادة الشعبية ويجعل الشعب مصدر السلطات، ويحدد آليات تكليف رئيس مجلس الوزراء عبر نتائج الانتخابات البرلمانية والتوازنات السياسية داخل مجلس النواب.
وأي تدخل خارجي لتحديد المقبول والمرفوض من المرشحين يُعدّ خروجاً صريحاً على منطق الشرعية الدستورية، حتى وإن تمّ تبريره سياسياً بخطاب الاستقرار أو المصلحة الوطنية.
أما من الزاوية الفكرية، فإن (الفيتو الخارجي) لا يعكس مجرد موقف سياسي، بل يعيد تعريف الديمقراطية بوصفها إجراءً شكلياً، بينما يصبح القرار السيادي مشروطاً أو معلّقاً، وهنا تتآكل فكرة العقد السياسي ذاتها، إذ يُعطل صوت الناخب ويُضعف أثر المؤسسات الدستورية، ويُحرم المجتمع من ممارسة حقه الكامل في إدارة شؤون الدولة.
ومن الخطأ اختزال الأزمة في شخص المالكي أو غيره من الفاعلين السياسيين، لأن جوهر الإشكالية لا يتعلق بالأسماء، بل بالدلالات: مستوى الاستقلال في القرار السياسي، وإمكانية إعادة ترتيب العلاقة مع القوى الدولية على أساس ((الندية))، لا ((التبعية)) فالاعتراض الخارجي يستهدف نمط الحكم نفسه لا الشخص بالضرورة.
في هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أن الاعتراض حتى من قبل قوى لم تشارك في الانتخابات ليس خروجاً على الديمقراطية، بل دليل على اتساع المجال العام في العراق.
فالديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع وحدها، بل تشمل حرية التعبير، وحق الاحتجاج، وإبداء الرأي السياسي خارج الأطر الحزبية التقليدية.
وهذا النوع من الاعتراض يعكس حراكاً سياسياً ومجتمعياً، ويشير إلى أن المجال السياسي لم يعد محتكراً من قبل الفائزين وحدهم.
غير أن هذا الاعتراض، لكي يحافظ على مشروعيته، يجب أن يبقى ضمن الإطار الوطني، وألا يُستثمر لاستدعاء التدخل الخارجي أو تعطيل المسار الدستوري.
الأخطر من ذلك أن القبول الضمني أو العلني بالفيتو الخارجي يخلق سابقة (دستورية_سياسية) خطيرة، إذ يفتح الباب أمام تحويل الإرادة الانتخابية إلى عنصر ثانوي في عملية تشكيل السلطة، فتصبح الانتخابات مدخلاً إجرائياً لا مساراً حاسماً، وتتحول المؤسسات الدستورية إلى أدوات تنفيذ لا مراكز قرار.
وفي المقابل، لا يعني الدفاع عن مبدأ السيادة تبرئة أي تجربة سياسية من النقد أو المساءلة، فالنقد السياسي ضرورة معرفية وأخلاقية، لكنه يفقد قيمته حين يُستقوى بالخارج أو يُستخدم لتبرير الوصاية.
النقد المشروع هو ذاك الذي يُمارَس داخل البرلمان، وعبر القضاء، ومن خلال الرأي العام، لا عبر الرسائل غير المعلنة أو الضغوط الدولية.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بهوية رئيس الوزراء المقبل، بل بطبيعة الدولة التي يُراد تكريسها:
هل هي دولة تُدار وفق نصها الدستوري، وتتسع للاعتراض والتعدد، وتحسم خياراتها داخل مؤسساتها؟
أم دولة يُعلَّق قرارها عند حدود القبول الخارجي، مهما بدا شكلها ديمقراطياً؟
إن العراق، بما يشهده من جدل واعتراض وتعدد في المواقف، يقدّم صورة عن تجربة سياسية ما زالت في طور التشكل، لكنها تمتلك مقومات النضج، غير أن هذا النضج يفقد معناه متى ما جرى التفريط بجوهر السيادة، فالدفاع عن حق الاعتراض لا يكتمل إلا بالدفاع عن حق القرار الوطني، والديمقراطية لا تبلغ قمتها إلا حين تكون حرّة من الوصاية.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



