
كتب سماحة السيد رسول الياسري (إدامَ اللهُ توفيقاته): خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى [الحلقة الأولى (ب)] الحضارة بين الفناء والوعد الإلهي… من زيف الاستعلاء إلى استخلاف السماء
أيها الإخوة الكرام، لا يزال حديثنا عن الخطاب الذي وجهته المرجعية الدينية الرشيدة في عيد الفطر، والذي يحمل مفاهيم كثيرة، وتطبيقاته أوسع من أن تُحاط بمقالة واحدة.
وقد تقدم في المنشور الأول بعض الحديث عن الحضارة التي تبتعد عن المبادئ والقيم السماوية.
أما حديثنا هنا، فهو عن الحضارة الإسلامية، التي تندرج تحت ألفاظ الزيارة: «بكم فتح الله وبكم يختم»؛ فهي الحضارة التي ستكون أجلى وأوضح في مستقبل الزمان—الذي نسأل الله تعالى ألا يكون بعيداً—وستكون خاتمة المسار الإنساني، على خلاف الحضارات الأرضية.
لذا يقدّم القرآن وعداً مختلفاً بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (النور: 55).
هذه ليست حضارة عادية، بل حضارة الاستخلاف، التي تقوم على: الإيمان بالعدل، والتوحيد لله تعالى، وأن العمل فيها لا يُوصف إلا بالعمل الصالح.
وهي حضارة تتجه نحو الخلود الرسالي؛ لأنها متصلة بالله، لا بالإنسان وحده.
وقد بشّرت بها النبوءات، وأكدتها روايات أهل البيت (عليهم السلام)، في دولة العدل الإلهي التي يقودها الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، حيث تبلغ الإنسانية كمالها الحضاري.
أيها الأحبة،
إن من أخطر ما تعيشه البشرية اليوم: أن بعض المجتمعات تفاخر بحضارتها المادية حتى نصّبت نفسها فوق القيم، بل فوق أمر الله!
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ…﴾ (الزخرف: 51)
هذا المنطق يتكرر في كل زمان، لكن النتيجة واحدة: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ (القصص: 40).
إن الحضارات التي تُقصي الله من حياتها قد تمتلك القوة، لكنها تفقد الشرعية والبقاء، وسُنّة الله لا تتبدل، وهذا ما أرادت المرجعية الدينية الرشيدة إيصاله: أن الحضارات المتعالية واهمة، وسقوطها قريب إن شاء الله تعالى.
وهنا يبرز سؤال مهم: متى نقول إن الأمة تمتلك حضارة؟
لا تُسمّى الأمة حضارية لمجرد امتلاكها التكنولوجيا أو القوة، بل حينما تتحقق فيها العناصر التالية:
الرؤية الكونية: امتلاك تصور واضح عن الله، والإنسان، والحياة، والغاية من الوجود.
النظام القيمي: وجود ميزان للحق والباطل لا يخضع للأهواء
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)
العدالة الاجتماعية: تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)
الاستقرار والتنظيم: وجود نظام يحفظ الحقوق ويمنع الفوضى.
الإنتاج العلمي والعملي: الإبداع في مجالات العلم والاقتصاد والإدارة والقوة.
الاستمرار والتأثير: القدرة على التأثير في الآخرين، لا مجرد الاستهلاك.
أيها الأحبة،
نحن اليوم نعيش في مفترق طرق حضاري: حضارات بلغت الذروة المادية لكنها تترنح أخلاقياً، وأمة تملك الوحي لكنها لم تُفعّل طاقاته بما يتلاءم مع الظهور المبارك بعد.
وكأننا اليوم نُدعى من قبل كلا المسارين؛ فإما أن نكون جزءاً من حضارة زائلة، أو نكون لبنة في حضارة الاستخلاف القادمة.
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).
والآية الكريمة تُبيّن ضمناً أن الاستخلاف للمستضعفين، لا للضعفاء.
إن الحضارة الحقيقية ليست ما يبنيه الإنسان بيده فقط، بل ما يبنيه بقلبه المرتبط بالله.
فطوبى لأمة جمعت بين العلم والإيمان، فكانت أهلاً لوعد السماء، وخاتمة لمسيرة الإنسان بقيادة صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وجعلنا الله من أعوانه وأنصاره في غيبته وحضوره، إنه سميع مجيب.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



